feedburner
Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

feedburner count

أوراق خاصة بقلم : نبيل عمر

Labels:


موت حلم‏!
مات يوسف شاهين‏..‏
حين رن تليفوني المحمول‏,‏ وقال صديقي الخبر أحسست أن العالم قد توقف لحظة‏,‏ وأن نجما لامعا قد خبا ضؤه‏,‏ وأن مساحة العتمة في حياتنا
تزداد‏,‏ كما حدث مع نجيب محفوظ‏,‏ وأحمدزكي‏,‏ ويوسف إدريس‏,‏ وصلاح أبوسيف‏,‏ ومحمد عبدالوهاب‏,‏ وعبدالحليم حافظ‏,‏ وطه حسين‏..‏

وكان كل هؤلاء حالمين‏..‏ متمردين علي واقع مؤلم يسعون إلي تغييره بالكتابة والموسيقي والكاميرا والتمثيل والغناء والمشهد‏..‏

وقد يكون يوسف شاهين أكثرهم تمردا‏,‏ بل يمكن أن نصفه بأنه مثل طفل شقي لا يرضيه العجب ولا الصيام في رجب‏,‏ يود لو أمسك الدنيا بيديه ليقلبها رأسا علي عقب‏,‏ أو بالأصح ليعدلها كما يحلم‏.‏

وكان لا يمكن إلا أن يكون مخرجا سينمائيا‏,‏ فالسينما مجمع فنون من الكلمة والصورة والموسيقي والضوء والتشكيل والصوت‏..‏ أداة‏,‏ شاملة تتيح للطفل الشقي أن يمارس شقاوته كيفما شاء وأن يصدم عقل مجتمعه ووجدانه صدمات مؤثرة‏..‏ دافعة إلي التأمل والتساؤل والحيرة‏.‏

فشاهين لم يكن أبدا في أفلامه يجيب عن تساؤلات ويعرض مشكلات‏,‏ وإنما يلقي في وجوه مشاهديه بكرات ملتهبة من الأسئلة‏.‏

والحالمون دوما هم أكثر البشر تعرضا لحملات انتقاد وهجوم‏,‏ فأغلب الناس تركن إلي المعتاد والمألوف من الأشياء وتؤمن أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان‏,‏ بينما هذا الحالم لا يعترف بالمعتاد‏,‏ ويكره كل ماهو رتيب وعادة وتقليد ونمطي‏,‏ ويعمل طول الوقت علي كسره‏.‏

ومنذ عاد شاهين من هوليوود في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين‏,‏ وهو يحاول تغيير العالم بالكاميرا‏,‏ وأي محاولة لتغيير الواقع تبدأ بفضح قبح هذا الواقع أمام ناسه‏..‏ وقد يبالغ فيه الفنان ويتنبأ بمساره البشع في قادم الأيام‏,‏ كما حدث في فيلم عودة الابن الضال‏,‏ حين كشف أن انتظار الأمل الغائب دون فعل وعمل‏,‏ هو نوع من العبث الذي من المحتم أن يفضي إلي كارثة‏.‏

وقد يحلل الواقع ويبين مدي زيفه وخداعه كما في الاختيار‏,‏ المثقف خان نفسه وأهله وانحاز إلي السلطة علي حسابهم‏..‏ أو يحرضهم للتمرد عليه فجر يوم جديد والمصير وهي فوضي‏.‏

وأحيانا يحب الفنان الشقي أن يلهو مع جمهوره لهوا بريئا أو حادا كما في سكوت حنصور‏,‏ إسكندرية نيويورك‏.‏

رحل يوسف شاهين وأغمضت كاميراته عدساتها‏..‏ لكن الصور التي تركها لا تتوقف عن دفعنا للتساؤل عن الواقع الذي نعيشه وهذا يكفيه‏!‏




0 comments:

Post a Comment