feedburner
Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

feedburner count

حكم القضا بقلم سيد علي

Labels:

حكم القضا



أغلب الظن أن المنفي الاختياري في عاصمة الضباب لممدوح إسماعيل وأسرته هو أقسي عقوبة بعيداً عن ملعبه الذي احترف اللعب فيه وعرف قوانينه ونسج علاقات راسخة ليس مع فريقه فقط ولكن مع كل الفرق المنافسة وجاء وقت عليه أصبح الجمهور وحكام الملعب رهن إشارته، إلي الدرجة التي سمحت له بمغادرة هذا الملعب بدون توجيه أي اتهام إليه غداة مقتل ١٠٣٤ مصرياً أبتلعتهم ظلمات البحر الأحمر، بينما تم رفع الحصانة عنه من مجلس الشوري بعد ٤٠ يوماً،
في حين تم رفع الحصانة عن نواب في قضايا تافهة في أيام العطلات وفي دقائق ورغم القتل العمد لهؤلاء المصريين الذي اثبتته التقارير الفنية ولجان تقصي الحقائق تم خنق القضية وتحجيمها من جناية إلي جنحة، وفور صدور حكم البراءة شعر الناس في بر مصر بالجزع لأن القضاء في الأساس هو إحساس لطمأنة الناس بأن كل عزيز لديها مصان،
وصحيح أن الرجل حصل علي البراءة من التهم المحال بها للمحكمة، وكان يمكن أن يمر الأمر لولا نفر من المحامين انتشروا في الفضائيات، تصوروا أنهم جابوا الديب من ديله في صراخ ولهجة متعالية أثارت استفزاز الناس بأكثر مما أثارهم الحادث،
وشعر الناس أن من لديه ظهر لا يمكن أن يتلقي ضربات علي وجهه والظهر هنا هو الملايين التي امتزجت بالسلطة وأصدقاء السلطة، وبدا واضحاً أن الفقير الذي لا يملك توكيل هذا الجيش من المحامين ربما لا يحصل علي حقه، حتي ولو كان واضحاً وضوح الشمس في نهار يوليو، بعض من هؤلاء المحامين لم يدع الفرصة تمر وتعامل بمنطق فلان يصلح ساعات ويدافع عن ممدوح، فهذه فرصة للدعاية المجانية وعلي الهواء مباشرة، وأظن أن كل دقيقة ظهر فيها هؤلاء المحامون خصموا من رصيد موكلهم ذلك إذا كان قد تبقي له رصيد.
وأغرب ما حدث خلال هذه المجادلات أن كل متحدث كان يبدأ بعبارة مع احترامي للقضاء وأنا لا أعلق علي أحكام القضاء، ثم يبدأ الجملة الثانية إما بمدح الحكم أو نسفه وتسفيهه، ولا يعرف المرء هل هناك نصوص تجرم هذا خاصة أن البشرية لاتزال حتي الآن تنتقد محاكمة سقراط ومقتل الحسين بن علي، لإحساس الناس بأنها كانت أحكاماً جائرة وظالمة،
والأمر المؤكد هنا أن المادة ١٨٤ من قانون العقوبات منعت تناول القاضي بما يحط من قدره، ولكن المذكرة الإيضاحية أشارت إلي أن ذلك لا يخل بحق الصحافة في النقد، باعتبار أن النقد حق مقدس، وعمل القاضي هو بالأساس عمل بشري وليس مقدساً،
ثم إن الرسول «صلي الله عليه وسلم» قال «قاض في الجنة وقاضيان في النار»، وأذكر أنني استمعت كثيراً للفقيه القانوني الكبير المستشار أحمد مكي يقول إن من حق أي مواطن أن يعلق علي الأحكام، لأن جلسات المحكمة علنية والمرافعات شفوية ليسمعها الناس،
والأمة هي مصدر السلطات ومهمة القاضي أولاً أن يكتسب ثقة الناس، ثم إن هناك درجات مختلفة للتقاضي، وقد سجل النائب العام المحترم المستشار عبدالمجيد محمود في بيانه بالطعن علي الحكم في براءة ممدوح إسماعيل وصحبه بأقوي الألفاظ، أن حكم البراءة خالف الثابت في الأوراق واحتوي فساداً في الاستدلال وقصوراً في التسبيب وتعسفاً في الاستنتاج وبه عوار.
وعلي هامش ما حدث لابد من فهم ما جري لكي نسد ثغرات القانون، ذلك أن مشكلة المشاكل أدركتها مصر منذ العصر الملكي بأنه لا يمكن تحقيق العدل إلا إذا حققه قضاة وصدر قانون ١٥٠ لسنة ٥٠ الخاص بالإجراءات الجنائية بإسناد مهمة التحقيق في القضايا الخطرة إلي قاضي تحقيق تختاره الجمعية العمومية للمحكمة، وذلك بعد صراع طويل بين الحكومة ممثلة في وزارة العدل ومجلسي النواب والشيوخ،
ولكن للأسف تم تعديل النص في ديسمبر عام ٥٢ وأسند مهمة التحقيق إلي النيابة العامة، ومعروف أن النيابة العامة في كتب الفقه القانوني وحسب كتاب الدكتور فتحي سرور نظامها رئاسي يتبع التسلسل القيادي والنائب العام شخصية سياسية وهذا منبع الداء لأنه قد يتأثر بسياسة الدولة خاصة في القضايا التي يكون فيها للسلطة رأي شخص، فيختل ميزان العدالة وربما لهذا السبب تم إسناد قضية دارفور واغتيال الحريري للمحكمة الدولية،
وفي قضية العبارة بدا بعض من ذاك، فإذا كانت النيابة قد وجهت لممدوح إسماعيل تهمة التراخي في إبلاغ جهات الإنقاذ في حين أثبت الحكم أن جهات الإنقاذ كانت تعلم بالكارثة.
فلماذا لم تقدم النيابة هذه الجهات أيضاً للمحكمة بذات التهمة، إلا إذا كان القانون يطبق علي البعض ويستثني البعض من ذات التهمة، ولا أريد أن أدافع عن القاضي الذي أصدر الحكم، لأن من حقه الدفاع يصبح أيضاً من حقه الاتهام، ولكن الأمر المؤكد أن القاضي حكم في التهم التي وجهتها النيابة للمتهمين، وبالأوراق الكثيرة التي تدحض هذه الاتهامات، بينما كانت هناك اتهامات كثيرة لا تُعد ولا تُحصي كانت هي الأولي بالمحاكمة وفقاً لما سمعناه وقرأناه في التقارير واللجان التي ظلت متداولة لأكثر من عامين!





0 comments:

Post a Comment