feedburner
Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

feedburner count

فشل الحكومة في توفير رغيف الخبز بقلم : عادل حمودة

Labels:


الرئيس يعترف بفشل الحكومة في توفير رغيف الخبز
.. فلماذا لا يتخلص منها؟


لو كنت أعشق وطني وأنا علي أرضه إلي حد الهزيان فإن هذا الحب يصبح في الغربة نوعاً من الإدمان.

لو كنت في كلماتي أحلم بوطن يسابق الزمان فإنني ارفع في وجه اللصوص والسماسرة رايات العصيان.

لو كان قلبي طحينا لكورته وصنعت منه رغيف خبز أطعم به «إنسان» حتي أخرجه من طوابير العيش التي تسقط عنه صفة المهان.

هل تحولت إلي شاعر في ذلك الصباح البارد وأنا اتناول الإفطار في فندق «هوليدي إن» بمدينة دوسلدورف وأمامي سلة خبز متنوعة ومغرية بينما الصحف الألمانية تنشر علي صفحاتها الأولي أخبار القتلي في حروب طوابير العيش في بلادي؟.

خبز باجيت.. خبز كايزر.. خبز شامي.. خبز أسمر.. خبز بحبة البركة.. خبز توست.. خبز معجون بالفستق الأخضر.. خبز مغطي بالسمسم.. خبز شتايجر بالشمر.. خبز بقسماط.. خبز مخلوط بالبيض والزبدة مثل الكرواسون.. خبز جاف وهش من الذرة كالبتاو.. خبز كالفطير البلدي.. وخبز مثل اصابع المرأة الرقيقة.. بيتي بان.. إن القائمة تضم 300 نوع من الخبز يصعب حصرها.. لكنها تجعلني أتحسر علي ما جري لنا.

التقط صحيفة"دي فيلت".. تسمح لي لغتي الالمانية أن أفك الخط وأقرأ.."المصريون يشعرون بالمجاعة والمهانة".. وتجبرني صحيفة"زود دويتشلاند"علي الشعور بالحزن عندما تكتب : إن"حياة المواطن في بلاد الفراعنة لا تساوي أكثر من رغيف خبز مدعم لا يحصل عليه".. وتكشف صحيفة"فرانكفورت جمايني"عن تسول الحكومة المصرية ــ التي تفخر بإنجازاتها الاقتصادية غير المسبوقة ــ ثمن الدقيق الذي يصنع منه العيش الحاف من دول خليجية - وتتساءل مجلة"شترن"ببراءة :"هل تنفجر ثورة الخبز في مصر؟".. بينما تتساءل مجلة"شبيجل"عن سر تمسك الحزب الوطني الحاكم بحكومة أجهزت علي ما تبقي من شعبيته في الشارع؟.

لكن.. مراسل"هيرالد تربيون"في القاهرة كان أكثر عمقا وهو يضع ملحا وخلا في جراح الحقيقة.."المشكلة ليست في تسريب الدقيق المدعم إلي مخابز الحلوي كما توهم الحكومة الناس.. المشكلة أن الغالبية العظمي من المصريين أصيبت بلعنة الفقر، فلم يعد لها سوي رغيف الخبز تعيش عليه.. لم يعد الناس يشكون من ارتفاع سعر اللحم.. فهم لا يشمونه.. ولم يعد أحد منهم يتحدث عن القيمة الغذائية للخضراوات فلم تعد في متناول أيديهم.. لقد اتسعت الهوة بين شريحة رفيعة تحظي بكل شيء وكتلة هائلة تنام دون عشاء.. النوم هو الطعام المجاني في مصر.

طاردتني هذه الصورة المؤلمة في أكثر من عاصمة أوروبية زرتها أخيرا.. فإن يعجز شعب الله المحتار عن الحصول علي الحد الأدني للحياة فإن الطريق الوحيد المفتوح أمامه مجهول.. لا يعرف فيه الفرق بين القاتل والمقتول.. الضارب من المضروب.. الراكب من المركوب.. والسارق من المسروق.

إن القضية ليست في توفير رغيف عيش لبطون جائعة تحلم بالشبع، وإنما في فشل السياسات الاقتصادية التي تبنتها ونفذتها وأصرت عليها الحكومة الحالية.. إنها سياسات تؤمن بالأغنياء.. وتخدمهم.. وتشاركهم.. وتنحني لهم.. وتبوس أقدامهم.. وتكره الفقراء.. ولا تفكر فيهم.. وتحلم بشوطة " تشيلهم".. إنها حكومة أقلية بيضاء تسيطر علي أقدار أغلبية سوداء.. مضطهدة.. ومقهورة.. مضروبة.. منهوبة.. مضغوطة.

وعندما يتدخل الرئيس شخصيا ليضمن حصول المواطن البسيط علي رغيف عيش غير مغموس بالذل والإهانة وغير مخلوط بدماء ضحاياه فهذا معناه اعتراف رسمي بفشل الحكومة في توفير الحد الأدني للمعيشة .. وعندما تقوم مخابز الجيش والشرطة ورجال الأعمال بتوفير الخبز.. فهذا معناه أننا نعيش حالة طوارئ غير معتادة.. كأننا في حرب.. كأننا في حالة حصار.. كأننا في فلسطين.. أو العراق.. أو أفغانستان.

ولو كان في عروق هذه الحكومة نقطة دم واحدة بقيت بعد كل ما فعلت لقدمت استقالتها فورا.. لو كانت لا تزال تشعر بالخجل لخرجت علينا ببيان تعترف فيه بأن سياسة"الجاتوه" لا تصلح في بلد لا يجد الرغيف.. والإيمان بالقصور هو إلحاد في عشش الكرتون والصفيح.. والحرص علي الرجيم خوفا من الموت تخمة في"قطامية هايتس"هو أنيميا قاتلة في منشأة ناصر ومقابر البساتين وكفر الغلابة.. والغرغرة بمياه"أفيان"الفرنسية علي موائد الكبار هي نوع من الخمر الذي يفقد وعي الصغار.

إن المشكلة في السياسة الحكومية التي لا تضحي من أجل الشعب.. وإنما تضحي بالشعب.. لقد خدرتنا تلك السياسة بكلمات معسولة بررت بها خنقنا بأسفيكسيا الغرق في المجاري.. قالت : إنها تدلل الأغنياء حتي يوفروا فرص العمل للفقراء.. فإذا بهم يأكلون خير البلد لحما.. ويبيعون العظم.. ويحولون استثماراتهم إلي الخارج.. فلم يعد في مصر ما يمصونه.. أو يشفطونه.. ونحمد الله علي أنهم لم يصنعوا من جلودنا شنطا لنسائهم وأحذية لأولادهم.. ساعة الجد لم تجد الحكومة من يرد لها الدين والجميل ويعطيها بعضا مما أعطته لها.. لم تجد الحكومة من يحسن إليها ويتبرع بمئات قليلة من ملايين كثيرة كسبها بفضل سياساتها غير الرشيدة.

وقد ضاعفت تلك السياسة من المساحة التي يشغلها الفقراء في مصر.. كل طبقة هبطت أكثر من درجة نحو القاع.. المستريح أصبح مستورا.. المستور أصبح محتاجا.. المحتاج أصبح معدما.. المعدم أصبح متسولا.. بينما تركزت الثروة والسلطة في يد عدد متناقص من المسيطرين علي كل شئ.. وهؤلاء جاهزون لركوب طائراتهم الخاصة تاركين وراءهم الديون والخراب.. فكل ممتلكاتهم الثمينة ليست هنا وإنما هناك.. فهم مثل فئران السفينة.. أول من يأكل طعامها.. وأول من يفر منها عند الشعور بغرقها.

إن قضية الفوارق الطبقية الهائلة والعدالة الاجتماعية الضائعة هي الفريضة الحكومية الغائبة.. التائهة.. الضائعة.. ولن يكون من السهل علي أعيان الحكومة من أصحاب الهامات والمقامات العثور عليها.. فهم لا يعرفونها.. ويصعب عليهم التعرف علي ملامحها.. أو التوصل إليها.. هم يعرفون الترف والثراء والتخمة والجاجور والسيمون فيميه والفواجرا وبريوني ومونت كارلو وبوذا بار والكورفوازيه.. ولا يعرفون الحاجة والإهانة والتقلية والمياه المخلوطة بالمجاري والحشر في وسائل المواصلات المزدحمة في العشوائيات.. إن عثور صياد بسيط علي خاتم سليمان في بطن سمكة قرش أسهل من عثور الحكومة القائمة علي العدالة الاجتماعية.

لقد وصلت هذه الحكومة بنا إلي طريق مسدود.. فلا مفر من التخلص منها.. بشرط أن تغير الحكومة الجديدة من هذه السياسات المدمرة.. بشرط أن تأتي لنا بالعدالة الاجتماعية المفقودة قبل أن تحلف اليمين الدستورية.. وإلا سنكون كمن غير اسمه من محمد الجحش إلي عباس الجحش.




0 comments:

Post a Comment