feedburner
Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

feedburner count

ناظم القدسي بقلم د. مصطفي الفقي

Labels:

ناظم القدسي


أود أن أكرر مرة أخري أنني عندما أكتب عن «قرب»، فإنني أتحدث عن أولئك الذين تعاملت معهم شخصياً وتحدثت إليهم مباشرة، فما أكثر الشخصيات المرموقة والقيادات التاريخية التي لم أتشرف بالجلوس إليها أو التعامل معه،

فأنا لست كاتباً للسيرة الذاتية لأحد ولكنني أقتصر فقط علي الذين أستطيع أن أنقل عنهم بأمانة وأن أسجل انطباعاتي في موضوعية، خصوصاً أنه لا يوجد وراء هذه السلسلة من الشخصيات التي أكتب عنها أجندة خاصة أو غرض ذاتي أو هدف خفي، فأنا أكتب لوجه الله والإنسان والوطن،

واليوم أتحدث عن شخصية جمعتني بها المصادفة، وأعني بها الدكتور «ناظم القدسي»، رئيس الوزراء السوري قبل الوحدة مع مصر، رئيس الجمهورية السورية بعد الانفصال، ولقد التقيت به لعدة ساعات في إحدي ليالي شتاء «لندن» الباردة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي،

حيث كنا ضيوفاً علي زميل دراستي الذي أعتز به الأستاذ «أحمد خليفة السويدي» الذي كان وقتها وزيراً لخارجية دولة الإمارات العربية والمستشار القريب من الشيخ «زايد» رحمه الله، والأستاذ «السويدي» هو خريج دفعتي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ولاتزال تربطني به صلة مستمرة تقوم علي الاحترام المتبادل والود الدائم،

وفي تلك الليلة كان الدكتور «ناظم القدسي» هو ضيف اللقاء لأن ابنه كان يعمل مع الأستاذ «السويدي»، وكان معنا في الجلسة أيضاً زميل عراقي هو الأستاذ «هشام الكتاب»، وانطلق الدكتور «ناظم القدسي» يحدثنا عن ذكريات سنوات الحكم في سوريا وظروف قبوله رئاسة الجمهورية بعد الانفصال رغم تقديره الكبير لزعامة «جمال عبد الناصر»، وكيف أنه لم يستطع أن يواصل مهمته تلك إلا لفترة قصيرة، وأعترف هنا بأن الرجل بهرني بدبلوماسيته الرفيعة وثقافته الواسعة ودماثة خلقه وهدوئه الملحوظ، ولقد ظل الرجل لعدة ساعات يجيب عن أسئلتنا،

خصوصاً أن فضولي كان شديداً للتعرف علي رأيه في عدد من القيادات العربية والشخصيات السورية التي عاصرها، لقد سألته يومها عن «هاشم الأتاسي» و«شكري القوتلي» كرئيسين سابقين للجمهورية السورية وعن «أكرم الحوراني»، نائب رئيس الجمهورية في عصر الوحدة، و«صبري العسلي»،

آخر رئيس وزراء قبلها، وكان الرجل رحب الصدر شديد الصدق مفرطاً في الموضوعية ويتحدث بلا حساسية وببساطة شديدة، ولقد شرح لي في توازن وعدالة أسباب الانفصال والحساسيات السورية التي نجمت عن الأسلوب المصري في إدارة حكومة الوحدة، ولم يكن الرجل سورياً في حديثه بقدر ما كان عربياً في تحليله، وكان تقديره لدور مصر العربي ووزنها الإقليمي محل تقديري شخصياً،

ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل إن الرجل أتحفنا بعدد من الطرائف الدبلوماسية والحكايات السياسية حتي إنني كنت لا أريد للوقت أن يمر وأتمني علي الساعة أن تتوقف، خصوصاً أنني مغرم تاريخياً بمتابعة تتطور السياسة والحكم في دول الشام وأري فيها نبض العروبة الحقيقي،

ولقد كان تعلقي بالشخصية الشامية منذ سنوات الوحدة بحكم عواطفي الشديدة التي ارتبطت حينذاك بالرئيس «عبد الناصر» وعصره وسنوات الشباب القومي الذي مضي ولن يعود، ولقد أيقنت من حديث ذلك السياسي المخضرم أن الشخصية العربية واحدة وأن عيوبها متكررة،

كما أننا أمة لا تتعلم من أخطائها فهي الأمة التي عرفت تعبيرات «النكبة» و«النكسة» و«المأساة» وخلطت بين «الانتصار» و«الانكسار» فلم تستثمر الانتصار جيداً ولم تتعلم من الانكسار أبداً،

إن تلك الليلة من ليالي شتاء العاصمة البريطانية سوف تظل محفورة في ذاكرتي، لأنها كانت مناسبة لمراجعة الأحداث واجترار الذكريات مع شخصية عربية كبيرة عركت دهاليز السياسية ودروب الحكم فاتسمت بالحكمة في التحليل والحياد في الرأي والموضوعية في المناقشة،

إن كلمات «ناظم القدسي» الواضحة وعباراته الهادئة وتوصيفه الدقيق سوف تبقي كلها في ذاكرتي لكي تؤكد لي من جديد أن ثورة يوليو المصرية وعصر الرئيس «عبدالناصر» سيبقيان في وجدان العرب رصيداً قومياً لا ينتهي ومعيناً لا ينضب، مدركاً أن الانفصال في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١ كان هو المقدمة الطبيعية لهزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧ ،

ولقد قال «ناظم القدسي» ليلتها كلمة لن أنساها أبداً وهي «أن ما بدأ سريعاً ينتهي سريعاً»، في سياق إشارته لتجربة قيام الوحدة المتعجلة بين مصر وسوريا عام ١٩٥٨ وانهيارها السريع عام ١٩٦١.. إنها أحزان أمة وأخطاء سياسة ومحنة شعب.





0 comments:

Post a Comment